لطالما ارتبط اسم المريخ في أذهاننا بذلك اللون الأحمر القاني، وهو المشهد الذي أثار حيرة البشرية لقرون ودفع علماء الفلك لخوض رحلات بحثية مضنية لفك طلاسم هذا الجار الغامض. ورغم أننا نصفه دائماً بالكوكب الأحمر، إلا أن السؤال حول “السبب” ظل يتردد دون إجابات قاطعة لفترات طويلة، حتى بدأ العلم الحديث يكشف النقاب عن تفاصيل جيولوجية وكيميائية مذهلة تعيد رسم تاريخ هذا الكوكب الذي يبعد عنا بنحو 206 ملايين كيلومتر.
كيمياء الغبار والجاذبية
ما بات مؤكداً لدى الأوساط العلمية اليوم هو أن المريخ يستمد لونه المميز من أكسيد الحديد، أو ما نعرفه ببساطة بـ “الصدأ”. وتشير التقديرات إلى أن عمر الكوكب يناهز 4.5 مليار سنة، وهي الفترة التي تشكلت فيها مواده الأولية. وهنا يكمن الفرق الجوهري بينه وبين كوكبنا؛ فالأرض بفضل جاذبيتها القوية، تمكنت من امتصاص الحديد إلى باطنها وعمقها، بينما الوضع على المريخ كان مغايراً تماماً.
نظراً لضعف الجاذبية هناك، بقي الحديد يحوم حول الكوكب ويستقر على سطحه ليغطيه بالكامل تقريباً. لكن، وبما أن الحديد بطبيعته ليس أحمر اللون، فإن التفسير العلمي يكمن في تعرض هذا المعدن لعمليات أكسدة مستمرة حولته إلى صدأ يكسو التضاريس، مانحاً إياه تلك الصبغة المميزة التي نراها عبر التلسكوبات.
محيط بحجم القطب الشمالي
وعلى الرغم من جفاف سطحه الحالي الذي تكسوه الأودية والبراكين والحفر -بما في ذلك أكبر بركان في مجموعتنا الشمسية- فإن تاريخ المريخ قد يكون “رطباً” أكثر مما نتخيل. فقد قدمت دراسة حديثة نُشرت في دورية “npj Space Exploration” أدلة مباشرة ومثيرة للجدل تشير إلى أن محيطاً مائياً بحجم المحيط المتجمد الشمالي للأرض كان يغطي جزءاً من الكوكب الأحمر قبل نحو ثلاثة مليارات سنة.
اعتمد الباحثون في هذه الدراسة على بيانات دقيقة من مسابير متطورة، مثل “إكسو مارس” و”مارس إكسبريس” التابعين لوكالة الفضاء الأوروبية، ومسبار “مارس ريكونيسانس” التابع لناسا. وقد ركز الفريق العلمي، الذي ضم باحثين من جامعة برن السويسرية، على نظام الأخاديد الضخم المعروف بـ “فالس مارينيريس” (Valles Marineris)، وتحديداً في منطقة “كوبراتس تشاسما”. هناك، رصدوا تشكيلات جيولوجية تشبه إلى حد كبير “دلتا المراوح” الموجودة على الأرض، وهي هياكل تتشكل عادة عند التقاء الرواسب والرمال بالمياه الراكدة.
يُرجح العلماء أن هذه الرواسب تكونت قبل حوالي 3.37 مليار سنة، مما سمح لهم برسم خريطة لخط ساحلي قديم يمتد عبر نصف الكرة الشمالي للمريخ. وبما أن حجم الكوكب الأحمر يبلغ تقريباً نصف حجم الأرض، فإن وجود محيط بهذا الامتداد يعني أنه كان يشغل حيزاً هائلاً من مساحته، مما يعزز فرضية قابليته للحياة في ذلك الزمن السحيق.
عيون وآذان على السطح
وفي سياق البحث المستمر عن إجابات، حققت وكالة “ناسا” قفزات نوعية مؤخراً من خلال مركبتها المتطورة “برسيفيرنس” (المثابرة). لم تكتفِ هذه المهمة بإنزال أحدث مختبر علمي متنقل على السطح، بل أتاحت للبشرية، وللمرة الأولى، فرصة “سماع” المريخ ورؤية هبوط فعلي عليه. فقد نشرت الوكالة أول مقطع صوتي يلتقط هبة ريح خافتة على السطح، بالإضافة إلى فيديو مذهل يوثق عملية الهبوط، بدءاً من فتح المظلة وحتى استقرار العربة وسط سحابة من الغبار الأحمر.
وقد علق مايكل واتكينز، مدير مختبر الدفع النفاث، واصفاً هذه اللقطات بأنها “رائعة حقاً”، مشيراً إلى أنها المرة الأولى التي نتمكن فيها من تصوير حدث معقد كهبوط مسبار في بيئة غريبة.
بصمات حياة محتملة
الجدل حول الحياة على المريخ لم يتوقف عند المياه القديمة؛ فقد رصدت المركبة “برسيفيرنس” مؤخراً بقعاً على الصخور تحمل تشابهاً كيميائياً وبصرياً مع الآثار التي تتركها الميكروبات على الأرض. ورغم الحماس الذي أثارته هذه الاكتشافات، يبقى العلماء حذرين، مؤكدين أن الجزم بكونها من صنع كائنات حية يتطلب جلب عينات إلى الأرض لتحليلها، وهو أمر يواجه تحديات لوجستية معقدة حالياً.
ويبقى المريخ، بغلافه الجوي الرقيق الذي فقده لغياب المجال المغناطيسي، وبصحاريه الصدئة التي ربما كانت يوماً شواطئ نابضة بالحياة، كتاباً مفتوحاً يحاول العلماء قراءة صفحاته المنسية، بانتظار ما ستحمله المهمات القادمة من براهين قد تغير فهمنا لمكاننا في هذا الكون.