السد العالي: 66 عاماً من الصمود ومصر تدخل عصر “الجيل الثاني” لمواجهة التحديات المائية

تحيي القاهرة اليوم، التاسع من يناير 2026، ذكرى محورية في تاريخها المعاصر؛ حيث تمر ستة وستون عاماً على اللحظة التي وضع فيها الرئيس الراحل جمال عبد الناصر حجر الأساس لمشروع السد العالي في عام 1960. هذا المشروع الذي لم يكن مجرد بناء من الركام والجرانيت، بل كان تجسيداً لإرادة سياسية وتحدياً جيو-سياسياً غير مسبوق، بدأ بقرار تأميم قناة السويس عام 1956 لتوفير التمويل اللازم، وصولاً إلى توقيع اتفاقيات البناء في 1958. واليوم، يتجدد هذا الإرث عبر استراتيجية تكنولوجية متطورة تهدف إلى حماية أمن مصر المائي في ظل مشهد إقليمي معقد.

حصن الأمان في مواجهة التقلبات

في بيان صحافي عكس أهمية اللحظة، أكد هاني سويلم، وزير الموارد المائية والري، أن السد العالي يظل “أعظم مشروع هندسي في القرن العشرين”. الحقيقة أن هذا الوصف ليس من قبيل المبالغة؛ فالسد هو الذي جنب البلاد كوارث الجفاف والفيضانات على مدار عقود، مشكلاً صمام أمان للزراعة والصناعة والطاقة. وبالنسبة للمصريين، السد العالي هو “العمود الفقري” الذي استندت إليه الدولة لمواجهة سنوات الشح المائي، وهو اليوم يكتسب أهمية مضاعفة مع استمرار التعنت الإثيوبي بشأن سد النهضة.

منظومة “الجيل الثاني 2.0”: ذكاء اصطناعي لحماية النيل

لا تتوقف طموحات وزارة الري عند مجرد الصيانة التقليدية، بل انتقلت فعلياً إلى ما يسمى بمنظومة “الجيل الثاني 2.0”. هذه الرؤية الجديدة تعتمد بشكل كلي على الحلول الرقمية والتقنيات العالمية الحديثة لرفع كفاءة السد العالي وخزان أسوان. بفضل هذه المنظومة، بات بإمكان المهندسين المصريين رصد “أدق قطرة مياه” قادمة من أعالي النيل لحظة بلحظة. هذا الانتقال نحو الإدارة الذكية يسمح للسد بالتعامل بمرونة فائقة مع ما يعرف بـ “تباين التصرفات”، وهي قدرة حيوية للرد الفوري في حال قيام أديس أبابا بحجز المياه أو فتح البوابات بشكل مفاجئ وغير منسق.

أزمة سد النهضة: صراع على “شريان الحياة”

يعود أصل التوتر بين القاهرة وأديس أبابا إلى عقود، لكنه تحول إلى أزمة وجودية في عام 2011 مع بدء بناء سد النهضة على النيل الأزرق، الذي يمد مصر بأكثر من 80% من احتياجاتها المائية. تخشى القاهرة من أن يؤدي ملء وتشغيل السد الإثيوبي بعيداً عن التنسيق المشترك إلى نقص حاد في حصتها التاريخية (55.5 مليار متر مكعب)، مما قد يهدد بتبوير ملايين الأفدنة وتعطيل توربينات السد العالي نفسه. ورغم الجولات الماراثونية من المفاوضات برعاية دولية، ما تزال إثيوبيا ترفض التوقيع على اتفاق قانوني ملزم ينظم قواعد الملء، خاصة في سنوات الجفاف الممتد، معتبرة أن السد شأن سيادي محض.

مراقبة على مدار الساعة وإرادة لا تلين

في ظل هذا المشهد، تعمل الفرق الفنية في أسوان بنظام الاستنفار الدائم؛ حيث تتم مراقبة المناسيب والتصرفات المائية المارة من السد على مدار 24 ساعة. إن تحديث المنظومة لا يهدف فقط إلى تحسين الأداء الهيدرولوجي، بل هو رسالة واضحة بأن مصر لن تفرط في قطرة مياه واحدة. إن استحضار نموذج “الهوفر دام” في الولايات المتحدة، الذي بُني في ظروف صعبة ليتحول إلى معجزة هندسية، يذكرنا بأن المشاريع الكبرى هي التي تصنع قدرة الدول. وفي مصر، يبقى السد العالي، بجيله الثاني المطور، هو الحارس الأمين لنهضة البلاد واستقرارها أمام أي محاولات لفرض واقع مائي جديد.