بين أزمات الماضي وطموحات المستقبل.. ميسي يرسم ملامح مرحلة ما بعد المستطيل الأخضر

في الوقت الذي يعيش فيه النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي استقراراً فنياً ونفسياً مع فريقه إنتر ميامي الأمريكي، تعيدنا التصريحات والتقارير إلى حقبة مليئة بالاضطرابات عاشها “البرغوث” داخل أروقة ناديه السابق برشلونة، ليتشكل أمامنا مشهد متكامل يربط بين فوضى الماضي الإداري في كتالونيا وبين الرؤية المستقبلية الواضحة التي يمتلكها اللاعب حالياً، سواء فيما يتعلق بمشاريعه الاستثمارية أو مشاركته المرتقبة في مونديال 2026.

كواليس الاحتقان في “البيت الكتالوني”

بالعودة إلى الوراء قليلاً، نجد أن العلاقة بين ميسي وإدارة برشلونة مرت بمنعطفات خطيرة كادت تعصف بتاريخه هناك قبل رحيله الفعلي، حيث عاشت إدارة “البلوغرانا” فترة من التخبط الواضح في التعامل مع نجمها الأول، وقد تجلى ذلك في الصراع العلني الذي نشب بين ميسي والمدير الرياضي آنذاك إريك أبيدال، إثر انتقادات وجهها الأخير للاعبين، لكن ما زاد الطين بلة هو تكشف تفاصيل “فضيحة بارسا غيت” التي أشارت إلى تعاقد النادي مع شركة مختصة لتشويه صورة رموز الفريق.

التقارير الإذاعية، وتحديداً عبر برنامج “لا لوتيا ديل كي تي جوغيس”، فجرت مفاجأة من العيار الثقيل بتأكيدها أن إدارة برشلونة تعاقدت مع شركة “آي 3 فينشورز”، التي تدير عشرات الحسابات غير الموثقة على منصات التواصل الاجتماعي، بهدف تلميع صورة الرئيس السابق جوسيب ماريا بارتوميو على حساب أساطير النادي، وشملت تلك الحملات الممنهجة هجوماً مباشراً على ميسي بشأن شروطه لتجديد العقد، بل وامتدت لتطال أنشطة زوجته أنتونيلا، ورغم نفي النادي القاطع لأي صلة بهذه الحسابات ومطالبته البرنامج الإذاعي بتصحيح المعلومات، إلا أن الشرخ كان قد اتسع بالفعل.

حقيقة العروض الأمريكية المبكرة

في خضم تلك الأزمات، بدأت التكهنات تحيط بمستقبل ليو مبكراً، حيث راجت أنباء عن تواصل غويرمو باروس سكيلوتو، مدرب لوس أنجلوس غالاكسي آنذاك، مع والد ميسي لبحث إمكانية ضمه لتعويض رحيل السويدي زلاتان إبراهيموفيتش إلى ميلان، لكن سكيلوتو كان حاسماً في تعليقه على هذه الشائعات خلال مؤتمر صحفي، نافياً حدوث ذلك على أرض الواقع.

أكد المدرب الأرجنتيني حينها أنه “لا يوجد ما يمكن قوله بهذا الصدد”، موضحاً أنه رغم الرغبة العالمية في رؤية ميسي بقميص أي نادٍ، ووجود رابط وطني يجمعه باللاعب قد يرجح كفة التوقعات، إلا أن الحقيقة المجردة هي أن أي تواصل لم يحدث، ليبقى ذلك مجرد فصل من فصول الشائعات التي رافقت توتر علاقة ميسي بناديه الأم.

رؤية مغايرة لما بعد الاعتزال

وبالانتقال إلى الحاضر، يبدو أن صاحب الـ38 عاماً قد طوى تلك الصفحات وبدأ يخطط لمستقبله بعقلية رجل الأعمال لا المدرب، فبعد قيادته إنتر ميامي لتحقيق أول لقب “كأس أنصار” في تاريخه وتقديم مستويات لافتة، كشف ميسي في مقابلة حديثة مع قناة “لوزو تي في” الأرجنتينية عن عدم رغبته في دخول عالم التدريب، مفضلاً التوجه نحو ملكية الأندية.

أوضح ميسي بشفافية تامة أنه لا يرى نفسه مدرباً، بل يستهويه الجانب الإداري والاستثماري، معرباً عن رغبته في امتلاك نادٍ خاص يبدأ به من الدرجات الدنيا ويساهم في نموه، ليمنح المواهب الشابة فرصة للتطور وتحقيق إنجازات ملموسة، وهو نموذج بدأ بالفعل في تطبيقه من خلال استثماره في نادي “ديبورتيفو إل إس إم” بالدرجة الرابعة في الأوروغواي رفقة صديقه لويس سواريز.

الاستقرار العائلي والرقصة الأخيرة

وعلى الصعيد الشخصي، عكس حديث ميسي نضجاً كبيراً في تقديره لقيمة العزلة والروتين المنظم، رغم صخب الحياة العائلية بوجود ثلاثة أطفال، مؤكداً أن هذا التوازن هو ما يمنحه القدرة على الاستمرار، أما فيما يخص الاستحقاقات الدولية، فقد حسم الجدل بشأن مشاركته في كأس العالم 2026، التي ستكون على الأرجح بطولته الأخيرة، حيث يطمح للدفاع عن اللقب الذي حققه في قطر.

وأشاد قائد “التانغو” بالأجواء الإيجابية داخل المنتخب الوطني، واصفاً المجموعة بأنها “مذهلة ومتناغمة”، حيث يبذل الجميع قصارى جهدهم من أجل الفريق، معتبراً أن هذه الروح الجماعية هي نقطة القوة الأبرز التي يعولون عليها، ليرسخ ميسي بذلك صورته ليس فقط كأسطورة داخل الملعب، بل كشخصية تخطط لترك إرث مستدام يخدم الأجيال القادمة بعيداً عن صراعات الماضي.