تتجاوز لغة الشعر الجغرافيا والحدود لترسم ملامح إنسانية مشتركة لا تعترف بالمسافات. فمن عمق الصحراء العربية إلى شوارع حي بروكلين النيويوركي، يبقى الحرف أداة حيوية للتعبير عن أسمى المشاعر، سواء كان ذلك عبر رسالة اعتذار نبيلة تُنشد في الأوساط الخليجية، أو مناجاة روحية تُهدى لقائد ديني. في كلا المشهدين، نجد أن الشعر يمتلك قدرة فريدة على تشكيل الوعي وربط الأجيال.
نبض الصحراء في حنجرة معاصرة حقق الفنان الإماراتي حسين الجسمي مؤخراً قفزة لافتة بأغنيته “أبوس خشمه”، مستعيراً كلمات أحد أبرز أعمدة الشعر النبطي، اللواء خلف بن هذال العتيبي. هذا العمل، الذي صاغ ألحانه “عزوف” بإيقاع الخبيتي ووزعه مشاري أبو جواد وتولى هندسته الصوتية جاسم محمد، حصد أكثر من ستة ملايين مشاهدة واستماع في غضون أيام قليلة. يعكس هذا الإقبال الكثيف مدى تعطش الجمهور الخليجي للمفردة الأصيلة واللحن المرتبط بالجذور. وتأتي هذه الخطوة لتعيد الجسمي إلى محيطه الفني الطبيعي، بعد سنوات ركز فيها على اللون المصري محققاً نجاحات استثنائية، لا سيما مع أغنية “بشرة خير” التي خاطبت الشارع المصري وكسرت حاجز النصف مليار استماع، إلى جانب أغنية “6 الصبح” التي تجاوزت الحدود محققة انتشاراً عربياً واسعاً.
صوت الوطن والكرامة لا تُعد قصيدة “أبوس خشمه” مجرد نص غنائي عابر، بل هي وثيقة تعكس أسمى قيم الكرامة والتسامح في الثقافة العربية. لا يرى العتيبي في طلب الصفح ضعفاً، بل يعتبره تجسيداً لسمو الأخلاق وعلو المقام. اللافت هنا هو ندرة الأغاني المأخوذة عن قصائد هذا الشاعر، الملقب بـ”شاعر الوطن”، وربما يعود ذلك لتعقيد بحوره الشعرية وصرامة بنيته اللفظية. تاريخياً، لم يتغنَّ بكلماته سوى قلة من الفنانين، أبرزهم القطري علي عبد الستار في أغنيتي “يا حبيبي ترى القلب” و”القلب أهل الهوى غرّروا به”، والكويتي محمد البلوشي الذي أدى “يا نار شبي” و”جعل السحاب”. ارتبط اسم خلف بن هذال عضوياً بمهرجان الجنادرية منذ انطلاقته الأولى برعاية الحرس الوطني السعودي عام 1985. طوال ثلاثة عقود، لم يكن مجرد ضيف شرف، بل صوتاً توعوياً مؤثراً استخدم منبره لمحاربة مسارات التطرف والإرهاب، موجهاً رسائل وطنية وأخلاقية ساهمت في تربية أجيال بأكملها، ومسجلاً مواقف حازمة في مختلف القضايا الاجتماعية والسياسية.
قصيدة كهدية ميلاد على الضفة الأخرى من العالم، وبمقاربة تتقاطع في جوهرها مع هذا الأثر العميق للكلمة، تبرز قصة الشاعر تسفي مئير شتاينمتس، المعروف أدبياً باسم “تسفي يائير”. هذا الناجي من المحرقة، ورجل الأعمال والمربي، اختار التعبير عن ارتباطه الروحي بطريقة استثنائية بعيدة عن المألوف. ففي الحادي عشر من نيسان من كل عام، وبدلاً من إهداء التحف الفضية أو المجلدات الدينية بمناسبة عيد ميلاد حاخام حركة حباد، مناحيم مندل شنيرسون، كان يكتب له قصيدة. حمل ديوانه “من أطراف الأرض” إهداءً يعتمد تلاعباً لفظياً مقصوداً يربط اسمه بالصالحين. وعبر قصائد تحمل عناوين مثل “القائد”، “المحارب الوحيد”، و”صوت حبيبي”، رسم يائير بورتريه دقيقاً لقائد روحي يتحمل بصمت آلام شعبه، مضحياً بلحظات عزلته الخاصة من أجل رعاية مجتمعه. في إحدى نصوصه، يتساءل الشاعر بقلق عن كيفية اتساع قلب واحد لكل أنهار المعاناة البشرية، ليجيب نفسه سريعاً بأن هذا الألم يتطهر ليرتقي إلى السماء، في مكان تتعانق فيه الأحزان والأفراح جنباً إلى جنب.
القلم لسان الروح تفاعل الحاخام مع هذه الأبيات لم يكن عادياً. فقد شجع يائير باستمرار، مقتبساً مقولة مؤسس الحركة شنيور زلمان: “الأغنية هي قلم الروح”. عندما تساءل الشاعر يوماً عما إذا كان الأجدر به تكريس وقته لدراسة النصوص الدينية بدلاً من كتابة الشعر، جاءه الرد قاطعاً بأن قصائده ستكون بحد ذاتها دافعاً للكثيرين للتعلم والتأمل. بل وأشار الحاخام في مناسبة أخرى إلى أن العديد من خطبه ومفاهيمه قد تُرجمت وتكثفت بالفعل داخل هذه الأبيات الشعرية. كان غياب القصيدة السنوية أمراً يلاحظه الحاخام فوراً. حدث ذات مرة أن نسي يائير إرفاق قصيدته المعتادة، فبادره الحاخام مستفسراً عن هذا الغياب غير المعتاد. المواقف الشخصية بينهما حملت طابعاً إنسانياً دافئاً، ولعل أبرزها ما حدث في إحدى أمسيات الجمعة بعد الصلاة، حين تجاوزه الحاخام متمنياً له يوماً مباركاً، لكنه توقف فجأة واستدار عائداً ليقف أمامه وجهاً لوجه، ويشكره شخصياً على قصيدته “صوت حبيبي يطرق”، في لحظة ظلت محفورة في ذاكرة الشاعر للأبد.