شهد قطاع الفضاء في نوفمبر 2025 تطورات دراماتيكية جمعت بين التحديات الراهنة التي تفرضها طقوس الفضاء العنيفة، واكتشافات علمية جذرية تعيد تشكيل فهمنا لنشأة نظامنا الشمسي. فبينما كانت الأقمار الصناعية تصارع واحدة من أقوى العواصف الشمسية، كان العلماء في المعامل يعيدون النظر في النظرية السائدة حول كيفية ولادة القمر، مما يضعنا أمام مشهد كوني متكامل يربط بين حاضرنا التكنولوجي وماضينا السحيق.
هجوم شمسي واسع النطاق
في حدث فلكي بارز، ضربت الأرض عاصفة شمسية قوية تسببت في تأثيرات ملموسة على البنية التحتية الفضائية. وقد رصدت وكالة الفضاء الأوروبية (ESA) بيانات حاسمة لهذا الحدث الذي بدأ برصد انبعاث راديوي شمسي قوي قبل نحو 14 ساعة من وصول العاصفة فعلياً. التقطت بعثة “سموس” (SMOS) التابعة للوكالة، والمخصصة لمراقبة رطوبة التربة وملوحة المحيطات، موجات راديوية شمسية مستقطبة، وهي بصمة فريدة تدل على نشاط شمسي مكثف مرتبط بتوهج من فئة “X5”.
لم تكن الأقمار القريبة من الأرض بمنأى عن هذا الاضطراب؛ إذ سجل ثالوث أقمار “سوارم” (Swarm) تقلبات في المجال المغناطيسي تفوق المعدلات الطبيعية بعشرة أضعاف خلال المرحلة الأولى للعاصفة. هذه الأقمار، التي تعتمد على أجهزة تتبع النجوم لتوجيه نفسها، رصدت ارتفاعاً حاداً في البروتونات عالية الطاقة عند قطبي الأرض، مما أدى إلى تشكل “شفق بروتوني” واسع النطاق ظهر عند خطوط عرض أقل بكثير من المعتاد، في دلالة واضحة على عنف العاصفة.
الصمود في وجه الطقس الفضائي
تجاوز تأثير العاصفة الغلاف المغناطيسي للأرض ليطال المركبات في الفضاء السحيق. فقد تمكن مرصد “سوهو” (SOHO)، وهو مشروع مشترك بين وكالة الفضاء الأوروبية وناسا، من التقاط الصور الأولى للقذف الكتلي الإكليلي المرتبط بالتوهج. وفي الوقت ذاته، قدمت بعثة “سولار أوربيتر” قياسات تفصيلية وتحليلات للخصائص المغناطيسية لهذا الانفجار الشمسي.
وفي مصادفة لافتة، تعرضت مركبة “بيبي كولومبو” (BepiColombo)، التي كانت في طريقها إلى عطارد وتقع بالقرب من خط الشمس-الأرض، لما قد يكون أقوى حدث إشعاعي للجسيمات تواجهه منذ إطلاقها. ورغم تعرضها لأخطاء مؤقتة في الذاكرة بفعل الإشعاع، أثبت التصميم القوي للمركبة كفاءته، حيث تمكنت من التعافي بسرعة دون أضرار دائمة، مما يؤكد أهمية التصميم الهندسي المتين لمواجهة تقلبات الطقس الفضائي التي تهدد التكنولوجيا الحيوية للأرض واستكشاف الفضاء.
إعادة كتابة تاريخ الجوار الكوني
وبينما تكشف هذه العواصف عن ديناميكية الفضاء الحالية، ظهرت أدلة جديدة تقلب الموازين بشأن تاريخنا الكوني القديم. فقد نشر علماء من معهد ماكس بلانك لأبحاث النظام الشمسي دراسة حديثة في دورية “ساينس” تتحدى الفرضية السائدة منذ عقود حول نشأة القمر، والمعروفة بفرضية “الاصطدام العملاق”. كان الاعتقاد السائد يفيد بأن جرماً بحجم المريخ يُدعى “ثيا” اصطدم بالأرض قبل نحو 4.5 مليار سنة، مما أدى لتناثر الحطام الذي شكل القمر لاحقاً.
تشير الأبحاث الجديدة إلى أن هذا الاصطدام لم يكن لقاءً عشوائياً كما كان يُعتقد، بل إن الأرض و”ثيا” ربما تشكلا جنباً إلى جنب في النظام الشمسي الداخلي، مما يجعلهما “جيرانًا” بالمعنى الحرفي قبل اصطدامهما المصيري. وأوضح تيمو هوب، عالم الجيوفيزياء، أن السيناريو الأكثر إقناعاً هو أن اللبنات الأساسية لكل من الأرض و”ثيا” نشأت في نفس المنطقة، مما يشير إلى تاريخ مبكر متداخل بين الجرمين.
جدل علمي حول الأصول
يستند هذا الطرح الجديد إلى التحليل الكيميائي للأجرام الكوكبية، الذي يعمل بمثابة “سجل تكوين”. وتظهر النتائج أن الأرض و”ثيا” قد تكونا من نفس المواد الأولية، مما يجعل ولادة القمر خطوة تطورية طبيعية وليست نتاج كارثة عشوائية من جسم غريب. ومع ذلك، لا يزال المشهد العلمي يشهد انقساماً، حيث أبدى الدكتور بول بيرن من جامعة واشنطن في سانت لويس تحفظه، مشيراً إلى صعوبة استجلاء الحقيقة الكاملة لأن “الماضي قد ضاع بالفعل”.
سواء تأكدت هذه الفرضية أم لا، فإن الربط بين عنف العواصف الشمسية الحالية واصطدامات الكواكب القديمة يضعنا أمام حقيقة واحدة: نحن نعيش في جوار كوني نشط ومتغير باستمرار، حيث تتشابك فيه التهديدات البيئية الحالية مع أسرار التكوين الأولى.