تستأنف الأسواق المالية نشاطها الأسبوعي من نفس النقطة الضبابية التي توقفت عندها، حيث لا تزال الشكوك تحوم حول مآلات الوضع الجيوسياسي وتداعياته في الشرق الأوسط. أسعار الخام تواصل مسارها التصاعدي بلا هوادة؛ إذ قفز مزيج برنت، المرجعي للقارة الأوروبية، بنسبة 3% ليلامس حاجز 104 دولارات للبرميل. وفي المقلب الآخر، لا يبتعد الخام الأمريكي “غرب تكساس الوسيط” كثيراً عن هذا المشهد، مسجلاً ارتفاعاً بحدود 4.5% ليحوم حول حافة المئة دولار، وإن كان لا يزال يتردد في اختراقها فعلياً.
هذا الغليان في أسواق الطاقة فرض حالة من الشلل شبه التام على البورصات الأوروبية عند جرس الافتتاح، حيث اقتصرت التحركات على هوامش ضيقة لا تتجاوز نصف نقطة مئوية. بالنظر إلى مؤشر “إيبكس 35” الإسباني، نجده يراوح مكانه بتراجع طفيف بلغ 0.06% في التعاملات الصباحية، محاولاً استيعاب كدمات الأسبوع الماضي التي أفقدته نحو 0.95% من قيمته ليقف عند 17,889.40 نقطة. هذه التراجعات الأخيرة قلصت صافي أرباحه السنوية إلى 3.36%. المشهد الداخلي للمؤشر يعكس حالة من التجاذب الملحوظ؛ فبينما تحلق أسهم IAG وAcciona Energía بمكاسب بلغت 3.9% و2.42% على التوالي، نجد تعثرات واضحة في أسهم أخرى مثل Ferrovial (-1.24%) وAena (-1.1%).
عدوى هذا التباين لم تقف عند حدود مدريد، بل امتدت لتشمل العواصم الأوروبية الكبرى. فبينما سيطر اللون الأحمر على شاشات التداول في باريس وفرانكفورت، مالت الكفة نحو الأخضر في لندن وميلانو. المحصلة الطبيعية لهذا التشتت انعكست بوضوح على مؤشر “يورو ستوكس 50″، الذي يقيس نبض الشركات الأثقل وزناً في منطقة اليورو، ليستقر في منطقة محايدة بتراجع لا يكاد يُذكر (-0.07%).
خلف هذه الشاشات المترددة والأرقام الباهتة، تدور رحى معركة من نوع آخر داخل أروقة البنك المركزي الأوروبي. صناع السياسة النقدية يراقبون بقلق ارتدادات صدمة أسعار الطاقة واختناقات سلاسل الإمداد. إيزابيل شنابل، عضو المجلس التنفيذي للبنك، كانت صريحة للغاية خلال حديثها في لندن، حيث حذرت من خطر تسارع التضخم في منطقة اليورو. القارة العجوز، التي تعتمد بشراهة على استيراد الوقود، تجد نفسها اليوم في مرمى النيران الارتدادية للحرب الإيرانية وتأثيرها المباشر على جيوب المستهلكين.
اللافت في تحليل شنابل هو ملاحظتها لسلوكيات السوق الحالية: شريحة متزايدة من الشركات بدأت بالفعل في رفع أسعارها استباقياً رغم حالة الفتور في الطلب، بالتزامن مع ارتفاع سقف توقعات التضخم لدى الأسر. هذا الواقع دفعها للتلويح بضرورة تشديد السياسة النقدية، ربما في وقت مبكر قد لا يتجاوز شهر يونيو المقبل، لمنع ما يعرف بتأثيرات “الجولة الثانية” من التغلغل وضرب استقرار الأسعار على المدى المتوسط. المشهد برمته يوحي بأننا أمام قنبلة موقوتة تتطلب تدخلاً جراحياً دقيقاً.
في ذات السياق التقاطعي، تأتي تصريحات مارتن كوخر، عضو مجلس المحافظين، لصحيفة “نويه تسوريشر تسايتونغ” السويسرية لتؤكد على هذا التوجه الحذر. ورغم أن كوخر يرى أن التكهن بخطوة البنك القادمة قبل أسابيع من اجتماع السياسة النقدية يبدو ضرباً من العبث، إلا أنه لم يترك مجالاً للشك في حتمية التدخل. الرسالة واضحة تماماً: إذا لم تشهد آفاق التضخم تحسناً ملموساً وجذرياً، فإن تعديل أسعار الفائدة في المستقبل القريب لن يكون مجرد سيناريو مطروح، بل واقعاً مفروضاً لا يمكن تفاديه.