بين دراما الرباط وضبابية “باموجا”: مستقبل الكرة الأفريقية على المحك

لم يكد يسدل الستار على واحدة من أكثر النسخ إثارة في تاريخ كأس الأمم الأفريقية بالمغرب، حتى وجدت القارة السمراء نفسها أمام جدل جديد يتعلق بمستقبل البطولة، فبينما يحتفل السنغال بلقبه الثاني، تتجه الأنظار بقلق نحو شرق القارة ومصير نسخة 2027.

ليلة دراماتيكية في الرباط

عاش ملعب الأمير مولاي عبد الله بالرباط ليلة لن تمحى بسهولة من ذاكرة الكرة الأفريقية، حيث توج المنتخب السنغالي بلقب “كان 2025” للمرة الثانية في تاريخه، عقب نهائي حبس الأنفاس وشهد سيناريوهات “هيتشكوكية” تجاوزت حدود المستطيل الأخضر. المباراة لم تكن مجرد مواجهة فنية، بل تحولت إلى معركة أعصاب، لا سيما بعد حادثة انسحاب لاعبي السنغال المؤقت من الملعب احتجاجاً على احتساب ركلة جزاء للمغرب، في مشهد كاد أن يعصف بالمباراة النهائية.

وعندما عادت المياه إلى مجاريها، كانت الدراما في انتظار الجماهير؛ إذ وقف الحارس إدوارد ميندي سداً منيعاً أمام ركلة إبراهيم دياز التي نفذها بطريقة “بانينكا” المغامرة، ليمنح فريقه قبلة الحياة. ومع انتهاء الوقت الأصلي بالتعادل السلبي، كان لبابي غايي كلمة الفصل في الشوط الإضافي الأول، مسجلاً هدف الذهب الذي نصب “أسود التيرانغا” ملوكاً للقارة مرة أخرى.

هيمنة ثلاثية على التشكيلة المثالية

فنيةً، عكست التشكيلة المثالية للبطولة واقع السيطرة المطلقة للقوى الكبرى، إذ استحوذ ثلاثي المقدمة (السنغال، المغرب، ونيجيريا) على كافة المقاعد، مما يؤكد الفجوة المتسعة بين هذه المنتخبات وبقية المنافسين. الاتحاد الأفريقي “كاف” كشف عن القائمة التي ضمت أربعة لاعبين من البطل ومثلهم من الوصيف، وثلاثة من نيجيريا.

في حراسة المرمى برز العملاق المغربي ياسين بونو، بينما تشكل الخط الخلفي من مزيج صلب يضم المغربيين أشرف حكيمي ونصير مزراوي، إلى جانب السنغالي موسى نياكاتي والنيجيري كالفين باسي. وسط الميدان شهد تفوقاً سنغالياً بوجود إدريسا غايي وبابي غايي رفقة النيجيري أديمولا لوكمان. أما الخط الأمامي فجاء مرعباً بتواجد إبراهيم دياز، وفيكتور أوسيمين، وساديو ماني، ليشكلوا مثلث رعب هجومي يعكس الجودة العالية التي شهدتها البطولة.

شائعات التأجيل تلاحق ملف الشرق

وبينما لا تزال نشوة التتويج حاضرة، بدأت سحب الشك تتجمع فوق ملف تنظيم نسخة 2027 المشترك بين كينيا وتنزانيا وأوغندا (باموجا). التقارير المتضاربة التي طفت على السطح مؤخراً وضعت الشارع الرياضي في حالة من الحيرة، وسط حديث عن احتمالية ترحيل البطولة إلى عام 2028. صحيفة “الغارديان” البريطانية فجرت مفاجأة من العيار الثقيل بكشفها عن نية “الكاف” مناقشة قرار التأجيل، مستندة إلى مخاوف جدية بشأن جاهزية البنية التحتية في الدول الثلاث وقدرتها على استيعاب بطولة بحجم 24 منتخباً موزعة على 10 مدن، خاصة بعد المشاكل اللوجستية والأمنية التي شابت تنظيم بطولة المحليين (شان) الأخيرة.

صراع الالتزامات والأجندة الدولية

في المقابل، وبرغم هذه التقارير المقلقة، تبرز أصوات أخرى تؤكد ثبات الموعد. الصحفي المقرب من دوائر القرار في الكاف، ميكي جونيور، نفى وجود أي قرار رسمي بالتأجيل، مشيراً إلى أن الدول المستضيفة تفي بالتزاماتها المالية بجدية تامة، حيث قامت تنزانيا وأوغندا بضخ 30 مليون دولار لكل منهما في حسابات الاتحاد القاري، بينما تسابق كينيا الزمن لإنهاء إجراءاتها.

لكن المسألة قد تتجاوز مجرد الجاهزية اللوجستية؛ إذ تشير المصادر إلى وجود رؤية استراتيجية جديدة لدى باتريس موتسيبي، رئيس الكاف، قد تقلب موازين الأجندة الأفريقية. الحديث يدور حول مقترح لتحويل البطولة لتقام كل أربع سنوات بدءاً من 2028، وهو ما قد يجعل تأجيل نسخة 2027 خياراً تكتيكياً لإلغاء نسخة 2028 المقررة (التي تسعى جنوب أفريقيا وبوتسوانا لتنظيمها) وإفساح المجال لإطلاق “دوري الأمم الأفريقية” في 2029 كبديل ومصدر دخل رئيسي جديد.