بين ضجيج الحاضر وأسرار الماضي: مصر تعيد صياغة تاريخها السياحي والأثري

في الوقت الذي تتجه فيه أنظار العالم صوب منطقة الجيزة، حيث يتربع المتحف المصري الكبير كأيقونة معمارية حديثة، لا تقتصر الأخبار القادمة من مصر على الإنجازات العمرانية والتدفقات السياحية فحسب، بل تمتد لتكشف عن جذور تلك الحضارة عبر اكتشافات علمية دقيقة تعيد تعريف فهمنا لبراعة الحرفي المصري القديم. المشهد في مصر اليوم يجمع بين صخب الزوار في أروقة المتحف الجديد، والهدوء البحثي في معامل التحليل الأثري، ليشكل صورة متكاملة عن أمة تحتفي بتاريخها وتكتشفه في آن واحد.

طوفان بشري ومنافسة عالمية مع اللوفر

يبدو أن الرهان المصري على المتحف الكبير قد بدأ يؤتي ثماره بشكل يتجاوز التوقعات الأولية، فمع انتصاف اليوم السابع فقط من الافتتاح التجريبي للجمهور، سجلت البيانات الرسمية تدفقاً هائلاً للزوار. وتشير الأرقام الصادرة عن وزارة السياحة والآثار إلى أن المتحف استقبل في يوم واحد فقط، وحتى الساعة الثانية ظهراً، ما يزيد على اثني عشر ألف زائر، ليرتفع المتوسط اليومي منذ فتح الأبواب في الرابع من نوفمبر إلى نحو 19 ألف زائر. هذا الإقبال الكثيف، الذي يضم خليطاً متنوعاً من الجنسيات والفئات العمرية، يعكس شغفاً عالمياً بهذا الصرح الذي استغرق تشييده عقدين من الزمن بتكلفة ناهزت 1.2 مليار دولار، ليحتضن 100 ألف قطعة أثرية، درتها الكنوز الكاملة للملك توت عنخ آمون.

الطموح المصري لا يتوقف عند مجرد عرض الآثار، بل يتعداه إلى منافسة المؤسسات الثقافية العريقة عالمياً. فمع استهداف جذب 8 ملايين زائر سنوياً، يضع المتحف المصري الكبير نفسه في مواجهة مباشرة مع متحف “اللوفر” بباريس، الذي يعد الأكثر جذباً للسياح عالمياً. وتشير التقديرات المالية، استناداً إلى أسعار التذاكر الحالية التي تبلغ 30 دولاراً للأجانب (حوالي 1450 جنيهاً) و200 جنيه للمصريين، إلى أن المتحف قد يحقق عوائد سنوية من التذاكر وحدها تصل إلى 150 مليون دولار، ناهيك عن إيرادات قطاع الضيافة والمطاعم الملحقة، وهو ما يقرب مصر من تحقيق هدفها الطموح بالوصول إلى عوائد سياحية تتجاوز 18 مليار دولار هذا العام.

انعكاسات اقتصادية وافتتاح ملكي

لم يكن الافتتاح الرسمي، الذي دشنه الرئيس عبد الفتاح السيسي مطلع الشهر الجاري بحضور 79 وفداً دولياً ومشاركة واسعة من ملوك ورؤساء حكومات، مجرد بروتوكول سياسي، بل كان إشارة بدء لموسم سياحي شتوي واعد، خاصة بالنسبة للأوروبيين الباحثين عن الطقس المعتدل. وقد ألقت هذه الحركية بظلالها الإيجابية على القطاع الفندقي، حيث سجلت نسب الإشغال مستويات قياسية، وترافق ذلك مع ارتفاع ملحوظ في معدل إنفاق السائحين، مما يعزز الخطة الاستراتيجية الرامية لجذب 30 مليون سائح بحلول عام 2030. وكما أوضح الدكتور أحمد غنيم، الرئيس التنفيذي لهيئة المتحف، فإن انسيابية حركة الزيارة رغم الأعداد الغفيرة تؤكد جاهزية المتحف لتقديم تجربة ثقافية استثنائية تليق بمكانته الدولية.

عبقرية الحرفي المصري: ما وراء المعابد الضحمة

وعلى الجانب الآخر من هذا المشهد الاحتفالي، وتحديداً في المختبرات البحثية، يعيد علماء الآثار قراءة التاريخ التقني لمصر القديمة. فبينما ينبهر زوار المتحف الكبير بالمجوهرات الذهبية والمعابد العملاقة، كشفت دراسة حديثة لجامعة نيوكاسل عن الأدوات الدقيقة التي جعلت هذه المعجزات ممكنة. فقد تم إعادة فحص أداة حفر تعود إلى 5300 عام، عُثر عليها في منطقة “البداري”، والتي كانت قد صُنفت خطأً عند اكتشافها في عشرينيات القرن الماضي على أنها مجرد “مخرز نحاسي بسيط”.

تكنولوجيا متقدمة سبقت عصرها بألفي عام

أثبتت التحليلات الدقيقة التي أجراها الدكتور مارتن أودلر وزميله الدكتور جيري كموشيك أن هذه الأداة هي في الواقع أقدم دليل مادي على استخدام “المثقاب القوسي” (Bow Drill). وقد وجد الباحثون آثار تآكل دائرية دقيقة وحواف مستديرة تؤكد أن الأداة كانت تُستخدم في حركة دورانية سريعة لثقب الخشب والأحجار والخرز، وليس للثقب اليدوي البسيط. المثير للدهشة هو العثور على بقايا ست لفات من شريط جلدي هش للغاية، كان يشكل وتر القوس المستخدم لتشغيل المثقاب، مما يعني أن الحرفيين المصريين أتقنوا تقنيات الحفر الدوراني المتقدمة قبل أكثر من ألفي عام مما كان معتقداً في السجلات الأثرية السابقة.

ولم تتوقف المفاجأة عند الميكانيكا، بل امتدت إلى كيمياء المعادن؛ فباستخدام تقنية الأشعة السينية المتنقلة (pXRF)، تبين أن السبيكة النحاسية المستخدمة في صناعة المثقاب تحتوي على الزرنيخ والنيكل ونسب ملحوظة من الرصاص والفضة. هذا التركيب المعقد يشير إلى معرفة متطورة بسبائك المعادن لإنتاج أدوات أكثر صلابة، كما يلمح وجود الفضة والرصاص إلى شبكات تجارية واسعة ربطت مصر القديمة بشرق البحر الأبيض المتوسط منذ الألفية الرابعة قبل الميلاد. هكذا، تكتمل الصورة بين المتحف الذي يعرض العظمة، والعلم الذي يكشف عن الأيادي الماهرة والأدوات الذكية التي صنعت تلك العظمة.