صدمة الطاقة تخلط الأوراق: بين مرونة طوكيو وذعر أسواق السندات في وول ستريت

بدأت ارتدادات الحرب في إيران وأزمة مضيق هرمز تعيد تشكيل المشهد الاقتصادي العالمي، لكن المفارقة أن الأرقام تأتي أحياناً عكس التوقعات. في اليابان، التي تفتقر للموارد وتستورد معظم طاقتها، سجل الاقتصاد نمواً بمعدل سنوي بلغ 2.1% خلال الربع الممتد من يناير إلى مارس. هذا التوسع ليس مجرد صدفة إحصائية، بل يعكس مرونة واضحة بفضل زيادة إنفاق المستهلكين والشركات، جنباً إلى جنب مع الدعم الحكومي القوي. نتحدث هنا عن نمو حقيقي بنسبة 0.5% مقارنة بالربع السابق، وهو الربع الثاني على التوالي من الانتعاش الفعلي بعد انكماش طفيف في خريف العام الماضي.

الصورة في طوكيو معقدة؛ فإغلاق مضيق هرمز فعلياً خنق الإمدادات الحيوية المتجهة لآسيا، ليقفز برميل خام برنت من 70 دولاراً قبل اندلاع الحرب إلى مستويات تلامس 110 دولارات. هذا الارتفاع الجنوني خلق أزمة حقيقية في الداخل الياباني، تصدرت عناوينها أزمة نقص “النفثا”، ذلك المشتق النفطي الأساسي الذي يدخل في صناعة كل شيء تقريباً، من أحواض الاستحمام إلى المواد البلاستيكية. رئيسة الوزراء سناء تاكايتشي وجدت نفسها أمام حتمية التدخل، متعهدة بضمان إمدادات كافية لإبقاء محرك النمو دائراً، وهو ما سيتطلب بلا شك ضخ نفقات حكومية ضخمة. ورغم هذه الضغوط، يرى محللو “المركز الياباني للبحوث الاقتصادية” أن طوكيو قادرة على الحفاظ على مستويات نمو معتدلة، مدعومة باستثمارات ملحوظة في تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي وقطاع الدفاع.

هذا التوسع الاقتصادي، متقاطعاً مع فاتورة الطاقة المرتفعة، بدأ يغير قواعد اللعبة بالنسبة للبنك المركزي الياباني. التضخم يتسع نطاقه، وكما تلاحظ نعومي فينك، كبيرة الاستراتيجيين في “أموفا لإدارة الأصول”، فإن شمولية الطلب تعكس جودة عالية في النمو، مما قد يدفع صناع السياسة النقدية لرفع أسعار الفائدة، مودعين بذلك حقبة طويلة من إبقاء الفائدة عند الصفر أو دونه. ورغم أن وتيرة التضخم هناك لا تزال أبطأ من نظيرتها الأمريكية، إلا أن المشكلة تكمن في الأجور التي ما زالت تلهث للحاق بقطار الأسعار.

وإذا كانت طوكيو تتجه بخطوات حذرة نحو تشديد نقدي مبرر، فإن الوضع في الولايات المتحدة يبدو كحلبة صراع محموم بين تسعير الأسواق والواقع الفعلي. أسواق العقود الآجلة تسابق الزمن بشكل غريب، مراهنة بنسبة 50% على أن الفدرالي الأمريكي سيرفع الفائدة بحلول ديسمبر. هذه التوقعات أشعلت موجة بيع عنيفة في سوق السندات، لتقفز عوائد سندات الخزانة لأجل 30 عاماً فوق حاجز الـ 5%، وتبلغ عوائد العشر سنوات أعلى مستوى لها منذ 15 شهراً، بينما سجلت عوائد السنتين مستويات لم نرها منذ مارس 2025.

هل بالغ المتداولون في رد فعلهم تجاه قفزات النفط والتضخم؟ الكثير من الخبراء في أروقة وول ستريت يرجحون ذلك. ويل كومبيرنول من مؤسسة “إف إتش إن فاينانشال” يقلل من صلابة هذه الإشارات، مشيراً إلى أن أحجام التداول على العقود الآجلة لمنتصف العام المقبل هزيلة للغاية. الأسواق ربما تقوم فقط بالتحوط العشوائي ضد خطر رفع الفائدة يوماً ما، وليس بناءً على قناعة راسخة. الأرقام تفضح هذا التباين؛ فبينما تم تداول عقود مايو 2026 أكثر من 646 ألف مرة هذا الشهر، بالكاد تحركت عقود يوليو من العام نفسه مسجلة 6400 صفقة فقط. رايان سويفت، الخبير في “بي سي إيه للأبحاث”، يرى أن الأسواق المالية تقفز لاستيعاب المعلومات أسرع بكثير مما تبرره البيانات، وغالباً ما ينتهي بها الأمر بالمبالغة في رد الفعل.

في كواليس الفدرالي، الديناميكية أكثر تشابكاً. خلال اجتماع أبريل، أبقى البنك الفائدة ثابتة في نطاق 3.50% إلى 3.75%، مع معارضة يتيمة طالبت بخفض ربع نقطة. المفارقة هنا أن ثلاثة أعضاء تحفظوا بشدة على أي صياغة توحي باحتمالية العودة لخفض الفائدة قريباً. الفدرالي عالق اليوم في مأزق كلاسيكي مزدوج: التضخم يتجاوز هدف الـ 2% ويتحرك صعوداً بشكل مزعج، بينما سوق العمل لا يزال متماسكاً ولا يقدم ذريعة أو غطاء سياسياً لخفض الفائدة، كما يوضح جون لوك تاينر من “أبتوس كابيتال أدفايزرز”.

وراء لغة الأرقام الجافة، تلوح معركة إثبات وجود لا يمكن تجاهلها. التذبذب العنيف في سوق السندات هو في جزء كبير منه “اختبار بالنار” للرئيس الجديد للفدرالي، كيفن وارش. المتداولون يراقبون عن كثب كيف سيتصدى وارش لغول التضخم المستورد عبر برميل النفط، والذي يصطدم مباشرة برغبة الرئيس ترامب المعلنة في خفض تكلفة الاقتراض. كما يشير لو براين من “دي آر دبليو تريدينغ”، إذا استمرت أسعار النفط بالتحليق، فإن الأسواق تريد أن تتأكد أن وارش يمتلك قراره المستقل، وأنه “رجل نفسه” وليس مجرد منفذ لرغبات البيت الأبيض. هكذا تبدو الصورة العالمية اليوم: سياسات نقدية تتأرجح بين مرونة مفاجئة في آسيا، وتشنج مفرط مشوب بالترقب السياسي في واشنطن.