تعيش الخريطة السكانية العالمية تحولات جذرية ترسم صورتين متناقضتين تماماً. فبينما تشهد بعض الدول نمواً ديموغرافياً هائلاً، تقف دول أخرى على حافة تراجع سكاني حاد ينذر بتغيير بنيتها الاجتماعية والاقتصادية. تتجلى هذه المفارقة بوضوح عند النظر إلى أحدث الأرقام الصادرة من مصر، مقارنة بالتوقعات الديموغرافية القاتمة التي تخيم على دول الاتحاد الأوروبي.
زخم سكاني مستمر في مصر تكشف البيانات الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن عدد سكان مصر كسر حاجز 108 ملايين و250 ألف نسمة بحلول منتصف أغسطس الماضي. نحن نتحدث هنا عن زيادة تقدر بربع مليون إنسان خلال شهرين فقط. بل إن الزيادة الطبيعية، وهي الفارق بين أعداد المواليد والوفيات، أضافت مليون نسمة إلى التعداد العام في غضون 287 يوماً لا غير.
تتوزع هذه الكتلة البشرية الكبيرة بشكل متفاوت على امتداد الخريطة المصرية. العاصمة القاهرة تتربع بطبيعة الحال على رأس القائمة بـ 10.5 مليون نسمة، وتلاحقها الجيزة بـ 9.8 مليون. وتستمر الكثافة العالية في محافظات الدلتا والصعيد، حيث تسجل الشرقية 8.1 مليون، والدقهلية 7.2 مليون، والبحيرة 7.1 مليون. وتتوالى الأرقام لتعكس هذا التمركز؛ فالمنيا تضم 6.6 مليون، والقليوبية 6.3 مليون، وسوهاج 6 ملايين، بينما تتساوى الإسكندرية والغربية بـ 5.6 مليون نسمة لكل منهما.
وتمتد هذه الشبكة السكانية لتشمل أسيوط (5.3 مليون)، والمنوفية (4.9 مليون)، والفيوم (4.2 مليون)، مروراً بكفر الشيخ وقنا بـ 3.8 مليون لكل محافظة، وبني سويف (3.7 مليون). أما المحافظات الحدودية والساحلية فتسجل أرقاماً أقل، تبدأ من 1.7 مليون في أسوان ودمياط، و1.5 مليون في الإسماعيلية والأقصر، وصولاً إلى أعداد أصغر في السويس وبورسعيد ومطروح وشمال سيناء والبحر الأحمر والوادي الجديد، لتتذيل جنوب سيناء القائمة بـ 119.1 ألف نسمة.
رغم هذا التدفق الديموغرافي السريع، يلاحظ وجود تباطؤ طفيف في معدلات الإنجاب مؤخراً. فقد شهد عام 2024 تراجعاً في أعداد المواليد بنسبة 3.7%، لتستقر عند 1.9 مليون مولود مقارنة بأكثر من مليوني مولود في العام الذي سبقه. تراجع المعدل العام للمواليد من 19.4 إلى 18.5 لكل ألف نسمة، وهو مؤشر على تغيرات تدريجية في السلوك الإنجابي.
أوروبا تواجه شتاءً ديموغرافياً على الضفة الأخرى من البحر المتوسط، تبدو الصورة معكوسة بشكل صارخ. أوروبا تشيخ بسرعة، ومعدلات الخصوبة فيها تتهاوى عاماً بعد عام. تتوقع وكالة “يوروستات” أن يفقد الاتحاد الأوروبي 53 مليون نسمة بحلول عام 2100، لينخفض إجمالي السكان من 452 مليوناً متوقعاً في 2025 إلى 399 مليوناً. بحلول ذلك الوقت، سيكون ثلث الأوروبيين تقريباً قد تجاوزوا سن الخامسة والستين.
تباينات حادة داخل القارة هذا التراجع القاري المنتظر لا يضرب جميع الدول بنفس الوتيرة. من بين 30 دولة أوروبية، تواجه 18 دولة شبح الانكماش، بينما قد تشهد 12 دولة أخرى نمواً سكانياً. الضربات الأقسى ستتلقاها لاتفيا، وليتوانيا، وبولندا، واليونان، بتراجعات مخيفة تتجاوز 30%. بعبارة أخرى، قد تفقد هذه الدول أكثر من ثلاثة من كل عشرة من مواطنيها مع نهاية القرن.
وتتأرجح معدلات التراجع في دول أخرى لتتجاوز 20% في كل من بلغاريا، وكرواتيا، وسلوفاكيا، ورومانيا، وإيطاليا، والمجر. في حين تتراوح نسبة الانخفاض بين 10% و20% في البرتغال، وإستونيا، والتشيك، وفنلندا، وسلوفينيا، وألمانيا.
في المقابل، تبرز دول قليلة ستسبح عكس التيار. لوكسمبورغ، وآيسلندا، ومالطا تتجه نحو نمو يفوق 25%، رغم أن قاعدتها السكانية تعتبر صغيرة أصلاً. كما يُنتظر أن تسجل سويسرا، وأيرلندا، والنرويج، والسويد زيادات تتخطى حاجز الـ 10%. وإذا سلطنا الضوء على القوى الاقتصادية الأربع الكبرى في الاتحاد الأوروبي، سنجد أن إسبانيا هي الوحيدة المرشحة لتسجيل نمو طفيف يبلغ 1.3%. فرنسا قد تتراجع قليلاً بنسبة 2.5%، بينما تواجه ألمانيا وإيطاليا انكماشاً أكثر حدة بنسب 10.6% و24% على التوالي.
الهجرة كعامل حسم وحيد لفهم هذه التباينات العميقة داخل القارة الأوروبية، يوضح الدكتور توماس سوبوتكا من معهد فيينا للديموغرافيا أن معدلات الهجرة، سواء التاريخية منها أو المستقبلية، تلعب الدور المحوري، مقترنة بالتركيبة العمرية الحالية للمجتمعات. الدول التي عانت من ضعف الخصوبة ونزيف الهجرة إلى الخارج في العقود الماضية باتت تمتلك اليوم تركيبة سكانية هرمة، مع عدد أقل من الشباب في سن الإنجاب.
صحيح أن الاختلافات في معدلات الخصوبة تؤثر على المشهد، لكن تأثيرها يبقى ثانوياً ومحدوداً. الخصوبة متدنية بالفعل في جميع أنحاء القارة، وخاصة في دول الجنوب، غير أن الدول التي تمكنت من الحفاظ على تدفقات مستدامة للمهاجرين تستطيع الاستمرار في النمو، بعكس الدول التي تفتقر لهذه التدفقات.
يتفق الدكتور دميتري غدانوف من معهد ماكس بلانك للتطور الديموغرافي مع هذا التحليل. الأرقام تؤكد أن مستويات الإنجاب الحالية في أوروبا عاجزة تماماً عن الحفاظ حتى على الحجم السكاني الحالي، والنمو الطبيعي بات شبه مستحيل دون الاعتماد على رافد خارجي. بما أن الفروق في معدلات الوفيات بين الدول الأوروبية ليست كبيرة بما يكفي لتبرير هذه التحولات، تبقى الهجرة هي المحرك الأوحد القادر على إنقاذ النمو السكاني. إسبانيا تجسد هذا الواقع بكل وضوح، فموجات الهجرة الضخمة التي استقبلتها خلال العقود الثلاثة الماضية حصنت سكانها من الانكماش رغم تدني معدلات الإنجاب. فرنسا من جهتها تحافظ على استقرار نسبي بفضل معدل خصوبة أعلى قليلاً من جيرانها وتدفق معتدل ومستمر للمهاجرين، في حين تدفع إيطاليا فاتورة باهظة لتركيبتها الهرمة وتراجعها الحاد في أعداد الولادات.