في وقت تتنافس فيه الروايات الأكثر مبيعاً على جذب القرّاء، استطاعت فرجينيا غريمالدي أن تفرض نفسها مجدداً بروايتها الجديدة «ربيعات أخرى» (D’autres printemps)، التي حققت نجاحاً لافتاً منذ صدورها في مايو 2026 عن دار فلاماريون. العمل لم يكتفِ بحجز مكان له بين أكثر الكتب مبيعاً على أمازون، بل تجاوز أيضاً بعض الإصدارات المنتظرة في فئة الروايات النفسية والإثارة، مؤكداً المكانة الخاصة التي باتت تحتلها الكاتبة لدى جمهورها.
تبدأ الحكاية من لحظة تبدو عادية في ظاهرها، لكنها سرعان ما تتحول إلى نقطة انطلاق لرحلة تحمل أكثر مما توحي به. فلورا تترك حياتها خلفها وتتوجه إلى المستشفى للاطمئنان على جدتها لاين، البالغة من العمر تسعين عاماً، والتي تتعافى من جلطة دماغية. هناك تفاجئها الجدة بطلب غير متوقع: تريد المغادرة فوراً والسفر إلى إيطاليا، وتحديداً إلى قرية تدعى فالدورو ألتو، مكان صغير في تلال توسكانا لم تستطع محوه من ذاكرتها رغم مرور العقود.
ما يبدو في البداية هروباً مرتجلاً من المستشفى يتحول تدريجياً إلى رحلة بحث عن الذات، وعن الماضي، وعن أجزاء من قصة عائلية ظلت مخفية لسنوات طويلة. فالعائلة بأكملها لا تعرف تقريباً شيئاً عن جذور إيطالية محتملة، ولهذا فإن الطريق نحو فالدورو ألتو لا يقود فقط إلى وجهة جغرافية، بل إلى أسرار دفنتها السنوات.
الرواية تتحرك بين زمنين. في الحاضر نتابع فلورا وجدتها خلال تنقلهما عبر الطرق الإيطالية، بينما تعود الفصول الأخرى إلى أربعينيات القرن الماضي، إلى مرحلة اقتُلعت فيها عائلات من أماكنها واضطرت إلى مغادرة إيطاليا والاستقرار في فرنسا. ومن خلال هذا البناء السردي المتداخل، تكشف غريمالدي كيف يمكن للذاكرة أن تبقى حية حتى عندما نحاول تجاهلها، وكيف تستمر بعض الجروح في التأثير على الأجيال اللاحقة.
في قلب هذه القصة تظهر شخصية كارميلا، التي يعود ماضيها الإيطالي المكبوت إلى السطح بعد سنوات طويلة من الصمت. الذكريات المؤلمة والتجارب التي ظنت أنها تجاوزتها تبدأ بالظهور من جديد، لتمنح الرواية بعداً إنسانياً عميقاً يتجاوز مجرد حكاية سفر أو كشف لغز عائلي. كارميلا تمثل شكلاً هادئاً من الصمود؛ امرأة حملت أسرارها طويلاً لكنها احتفظت رغم ذلك بقدرتها على الاستمتاع بالحياة وبنوع من السلام الداخلي.
أما فلورا فتبدو على النقيض تماماً. مشاعرها حادة، وردود أفعالها مباشرة أحياناً إلى حد القسوة. هي امرأة تحاول الهروب من الألم بدل مواجهته، خصوصاً بعد أن اضطرت إلى تقبل حقيقة أنها لن تصبح أماً، وبعد خسارات تركت آثارها في أعماقها. ومع ذلك، تكشف الرحلة شيئاً فشيئاً عن نقاط التشابه الخفية بينها وبين جدتها. فكلتاهما تحملان حساسية كبيرة تجاه العالم، وكلتاهما تبحثان بطريقتهما الخاصة عن مخرج من الحزن.
أحد أبرز عناصر قوة الرواية يكمن في الطريقة التي تصف بها الكاتبة إيطاليا. القرى الحجرية، التلال الممتدة، الألوان الدافئة، روائح الطعام التقليدي، وضجيج الساحات الصغيرة؛ كلها تفاصيل تجعل القارئ يشعر وكأنه يسافر مع الشخصيات. من الصعب إنهاء بعض الفصول من دون أن تراودك رغبة فعلية في زيارة توسكانا ورؤية تلك الأماكن بنفسك.
لكن الرحلة هنا ليست سياحية بالمعنى التقليدي. كل محطة تقرّب الشخصيات من حقيقة جديدة، وكل طريق يؤدي إلى مواجهة مؤجلة منذ سنوات. تتحول إيطاليا إلى مساحة للمصالحة، ليس فقط مع الماضي، بل مع النفس أيضاً. وكأن المسافة التي تقطعها السيارة على الطرق الريفية توازي المسافة التي تحتاجها الشخصيات للوصول إلى فهم أعمق لحياتها.
تتناول الرواية كذلك فكرة انتقال الذاكرة بين الأجيال. ماذا يحدث عندما تبقى بعض القصص مخفية؟ وكيف يمكن لحقيقة لم تُروَ أن تؤثر في حياة أشخاص لم يعيشوا أحداثها أصلاً؟ لا تقدم غريمالدي إجابات جاهزة، لكنها تلمح إلى أن مشاركة الماضي، مهما كان مؤلماً، قد تكون أحياناً الخطوة الأولى نحو التحرر منه.
«ربيعات أخرى» ليست رواية عن الحزن فقط، ولا عن الأسرار العائلية فحسب. إنها رواية عن الأشخاص الذين يواصلون السير رغم ما حملوه من خسارات، وعن الروابط التي تمنح حياتنا معناها حتى عندما تبدو هشة. وبين صفحاتها تطرح فكرة بسيطة لكنها مؤثرة: التجارب الصعبة لا تكسرنا دائماً، بل قد تكشف لنا جوانب من أنفسنا لم نكن نعرفها من قبل.
لهذا السبب تحديداً وجد كثير من القرّاء أنفسهم في هذه القصة. فبين ذكريات كارميلا وأسئلة فلورا، وبين فرنسا وإيطاليا، وبين الماضي والحاضر، تتشكل حكاية إنسانية قادرة على أن تلامس تجارب مختلفة وتترك أثراً يستمر بعد الصفحة الأخيرة.