تفرض الظروف المناخية المتقلبة واقعاً متبايناً على حقول الذرة وفول الصويا في الولايات المتحدة. فبينما تقف موجات الجفاف حائلاً أمام بعض المزارعين، تمضي عمليات البذر بخطى متسارعة في مناطق أخرى. بيانات خبير الأرصاد الجوية بوزارة الزراعة الأميركية، براد ريبي، تعكس تقدماً ملحوظاً في ولاية تينيسي التي أنجزت زراعة 64% من مساحات الذرة مقارنة بمتوسطها البالغ 24%، إلى جانب زراعة 50% من فول الصويا صعوداً من 9% فقط. وتيرة سريعة مشابهة تشهدها كنتاكي التي أتمت زراعة 48% من مساحات الذرة. في ولايات الجنوب، تتصدر لويزيانا المشهد بزراعة 58% من فول الصويا، تليها مسيسيبي بنسبة 55%. أما في الغرب الأوسط، فرغم تراجع ميزوري بتسجيلها 23% للذرة و14% لفول الصويا، تتقدم ولايات مثل إلينوي وإنديانا على متوسطاتها التاريخية في كلا المحصولين، مستفيدة من دفء التربة وجفافها النسبي، على الرغم من بعض العواصف التي أبطأت العمليات مؤخراً.
التوترات التجارية تخنق موانئ البرازيل
هذا التقدم في الحقول الأميركية يصطدم بتعقيدات التجارة العالمية، حيث تعيد التوترات بين واشنطن وبكين رسم خريطة الصادرات. الصين، التي تبتلع سنوياً أكثر من 90 مليون طن من فول الصويا لتغذية ثروتها الحيوانية، أدارت ظهرها للولايات المتحدة التي كانت تستورد منها أكثر من 15 مليون طن سنوياً، ووجهت بوصلة استيرادها بالكامل نحو البرازيل. هذا التحول الجذري شكل ضغطاً هائلاً على البنية التحتية البرازيلية. تكدست شحنات فول الصويا على أرصفة الموانئ، لتتضاءل معها السعة المتاحة لتحميل الذرة الصفراء، وهو وضع لوجستي ازداد تعقيداً بسبب تأخر حصاد محصول الذرة البرازيلي الجديد لنحو أسبوعين.
أزمة إمدادات تضرب السوق المصرية
ارتدادات الاختناق اللوجستي في أميركا الجنوبية لم تتأخر في الوصول إلى الشرق الأوسط. مصر، التي تعتمد بشدة على الذرة لسد فجوتها الاستهلاكية، وجدت نفسها أمام نقص حاد في الإمدادات. تمثل البرازيل ثاني أكبر مورد لمصر بكميات بلغت 1.68 مليون طن خلال الأشهر السبعة الأولى من العام الجاري، بفارق طفيف جداً عن الأرجنتين المتصدرة بـ 1.69 مليون طن. آخر سفينة محملة بالذرة البرازيلية رست في الموانئ المصرية كانت بتاريخ 13 يوليو الماضي بحمولة 47 ألف طن، ومنذ ذلك الحين توقفت الشحنات. التوقعات الحالية، بحسب مصادر القطاع، ترجح وصول أول سفينة جديدة بين منتصف وعشرينيات شهر أغسطس الجاري، دون وجود مواعيد مؤكدة حتى اللحظة.
طلب محلي مفاجئ وقفزة في الأسعار
تزامن هذا العجز الخارجي في الإمدادات مع ديناميكية داخلية غير متوقعة في قطاع الدواجن المصري. أسعار الكتاكيت التي حلقت لتسجل مستويات قياسية فوق 50 جنيهاً للكتكوت عمر يوم في الربع الأول من العام، هوت تدريجياً إلى 30 جنيهاً، لتستقر حالياً عند متوسط 15 جنيهاً. هذا التراجع الحاد أغرى المربين بزيادة طاقاتهم التشغيلية، مما أدى إلى ارتفاع مفاجئ وكبير في طلبات مزارع الدواجن ومصانع الأعلاف على الذرة الصفراء. أنور العبد، رئيس شركة الأهرام للدواجن، يوضح أن هذا المزيج المربك من نقص المعروض العالمي والطلب المحلي الكثيف دفع أسعار الذرة الصفراء للقفز بنسبة تتجاوز 25% خلال أسبوعين فقط. سعر الطن كسر حاجز 16 ألف جنيه، تاركاً وراءه المستويات السابقة التي كانت تتأرجح بين 12.5 و13 ألف جنيه، ليضع سوق الأعلاف بأكمله أمام تحديات تسعيرية غير مسبوقة.