طالما تربع سهم “إنفيديا” (Nvidia) على قمة وول ستريت، مدفوعاً بتهافت أقطاب التكنولوجيا كأمازون وألفابت ومايكروسوفت وميتا على معالجاتها الجبارة التي تدير عمليات التدريب والاستدلال المعقدة لنماذج الذكاء الاصطناعي. هذا التحالف الاستراتيجي أبقى هؤلاء العمالقة، الذين يقدمون خدماتهم السحابية لجهات أخرى، زبائن دائمين. لكن يبدو أن أوراق اللعبة تتبعثر اليوم وتدفع المستثمرين لإعادة تقييم المشهد وسط هبوط ملحوظ في أسهم الشركة، والسبب ليس نقصاً في الطلب، بل زحف المنافسين من عقر دارها. أمازون تشهد طفرة ملموسة في مبيعات رقائقها المطورة داخلياً، بينما تجهز غوغل وحدات المعالجة الموترة (TPUs) المخصصة لبيعها لعملاء يفضلون تنصيبها في مراكز بياناتهم الخاصة. ورغم أن إنفيديا تقلل من شأن هذه التحركات متسلحة بمرونة أنظمتها التطويرية، إلا أن ارتدادات السوق واضحة؛ فقد قفزت أسهم “كوالكوم” بنسبة 9% مع توسعها في قطاع مراكز البيانات، وانتعشت شركات الذاكرة والتخزين مثل سانديسك ووسترن ديجيتال وسيغيت تزامناً مع إقرار مايكروسوفت وميتا بارتفاع تكاليف البنية التحتية لتلك المكونات.
غير أن الصداع الأكبر لإنفيديا يأتيك من الشرق، حيث تخوض الشركة معركة عبثية بين مطرقة واشنطن وسندان بكين. فعلى الرغم من أن الرئيس التنفيذي جينسن هوانغ أعلن في مارس عن الحصول أخيراً على الضوء الأخضر الأمريكي لتصدير شرائح H200 المتقدمة إلى الصين، لم تتمكن شريحة واحدة من عبور الجمارك. نحن هنا أمام مأزق تنظيمي سريالي: المشرع الأمريكي يشترط أن تبقى الشرائح التي تطلبها الشركات الصينية داخل حدود الصين حصراً، وفي الوقت ذاته، توجه بكين شركاتها لدعم المنتج المحلي وتقييد استخدام معالجات إنفيديا وحصرها في الفروع الخارجية لتلك الشركات. هذا الشلل اللوجستي المزدوج كان بمثابة هدية ذهبية نزلت من السماء على مجموعة “هواوي” التكنولوجية.
صعود تنين شنجن وفك الارتباط التقني
بفضل هذا الفراغ، تستعد هواوي لابتلاع حصة الأسد من سوق الذكاء الاصطناعي الصيني هذا العام، مع توقعات بقفزة في مبيعاتها تتجاوز 60% لتبلغ عائداتها نحو 12 مليار دولار، ارتفاعاً من 7.5 مليار دولار في 2025. هذه الأرقام، التي تملك قابلية للارتفاع إذا تسارعت وتيرة الإنتاج بشكل يفوق التوقعات، تستند إلى طلبات ضخمة لمعالج Ascend 950PR الذي دخل خط الإنتاج الضخم في مارس الماضي، مع خطط لإطلاق نسخة محدثة تحت اسم 950DT في الربع الأخير. ومع استعانة هواوي بقدرات “الشركة الدولية لتصنيع أشباه الموصلات” (SMIC) الرائدة في الصين، واقتراب تشغيل مصنعين جديدين مخصصين لاحتياجاتها حصراً لاحقاً هذا العام، تتضح ملامح استراتيجية الاستقلال التقني الصيني بشكل لا لبس فيه.
من الناحية التقنية البحتة، لا تزال معالجات هواوي تتخلف بجيلين على الأقل عن وحوش إنفيديا السيليكونية. لكن الشركة الصينية تلعب بذكاء استراتيجي، حيث سوّقت معالجات 950PR كخيار محلي مثالي لعمليات “الاستدلال” (Inference) – وهي العمليات الحسابية الأقل تعقيداً التي تستخدمها النماذج اللغوية الكبيرة لتوليد الإجابات. رهان هواوي يكمن في أن الاستدلال سيكون هو عصب الطلب المستقبلي مع الانتشار الواسع لتطبيقات الذكاء الاصطناعي مثل الوكلاء الذكيين (Agents). ولتعويض نقطة ضعف الأداء الفردي للرقاقة الواحدة، تلجأ هواوي إلى بناء شبكات حوسبة عنقودية قوية تعتمد على بنيتها التحتية الشبكية المتقدمة.
وقد أثمر هذا التوجه مؤخراً حين أعلنت شركة DeepSeek أوائل هذا الشهر عن دمج معالجات 950PR في نموذجها الجديد V4، مما أدى إلى تحسين كفاءة الاستدلال وخفض التكاليف بشكل ملحوظ، رغم أن عمليات التدريب الثقيلة والمكلفة للنموذج لا تزال تتم على أجهزة إنفيديا.
هذا الاختراق الصيني، وإن كان جزئياً في مراحله الحالية، يثير قلقاً عميقاً في أروقة التكنولوجيا الأمريكية. هوانغ لخص المشهد في مقابلة حديثة مع البودكاستر دواركيش باتيل، محذراً من أن صدور نسخة من DeepSeek يوماً ما لتعمل بشكل أساسي وأولي على عتاد هواوي سيكون “نتيجة مروعة” لبلاده، فاتحاً الباب أمام سيناريو كابوسي تُطوَّر فيه أذكى النماذج العالمية وتعمل بكفاءة أعلى على أجهزة غير أمريكية. العقبة الكأداء الوحيدة المتبقية أمام المنافسين الصينيين هي بناء بيئة برمجية قادرة على كسر احتكار نظام “Cuda” التابع لإنفيديا والذي لا يزال المعيار الذهبي عالمياً. لكن في سوق متقلب وسباق تسلح لا يعترف بالثوابت، قد لا تكون الهيمنة البرمجية درعاً كافياً لإنفيديا على المدى الطويل.