نراقب المشهد البصري العربي من زاويتنا هنا، لنجد أنه يعيش حالة من التشظي المحبب والدينامية المفرطة. على الواجهة السينمائية، تفرض السرديات الجادة نفسها بوضوح وبلا مواربة في المهرجانات الأوروبية الكبرى. خذ مثلاً النسخة العاشرة لجوائز النقاد للأفلام العربية، التي يُديرها مركز السينما العربية وتُعقد على هامش مهرجان كان السينمائي؛ هذا الحدث تحول إلى بارومتر حقيقي للذائقة النقدية بفضل أصوات 307 نقاد من مختلف أنحاء العالم. هذا العام، تتسيد المخرجة آن ماري جاسر المشهد بفيلمها الملحمي “فلسطين 36″، حاصدة ستة ترشيحات تضع العمل في صدارة السباق. وهي ليست وحيدة في هذا المضمار القوي، فمريم التوزاني تلاحقها بخمسة ترشيحات لفيلمها “شارع ملقا”، بينما يقتنص فيلم شيرين دعيبس “كل ما تبقى منك” أربعة. وهناك أعمال أخرى تفرض إيقاعها بثلاثة ترشيحات لكل منها، مثل “يونان”، “رائحة أبي”، و”ذات مرة في غزة”. السينما هنا تحفر في الهوية، وتبحث عن الصوت الأصيل والذاكرة.
لكن بموازاة هذه النخبوية السينمائية التي تحتفي بها أوروبا، تدور ماكينة إنتاجية أخرى بالغة الضخامة في الداخل العربي، تحديداً في الرياض، حيث تُصاغ ذائقة الجماهير العريضة وتُصنع ثقافة الاستهلاك التلفزيوني اليومي. مجموعة MBC أقامت مؤخراً أمسية احتفالية حاشدة بأهل الصحافة وصناع العمل لإطلاق المسلسل الاجتماعي “خريف القلب”، وهو مشروع يمثل انعطافة ملفتة في الصناعة. نحن أمام أول محاولة سعودية لتعريب فورمات تركي طويل يمتد لتسعين حلقة، مقتبس من المسلسل المعروف “Broken Pieces” أو “خريف العمر”.
الحبكة كلاسيكية تعتمد على الميلودراما الخالصة: ابنتان تتبادلان الأقدار يوم الولادة، ولا تكتشف العائلتان الكارثة إلا بعد 17 عاماً إثر حادث فروسية مروع تتعرض له البطلة “شوق”. تنقلب حياة رجل الأعمال الثري “راشد” وسيدة المجتمع “فرح” حين يدركان طبياً أنهما ليسا الوالدين البيولوجيين، لتبدأ رحلة البحث العكسية نحو العائلة الفقيرة، وتحديداً “نهلة”، بائعة العباءات التي ربت ابنتهما الحقيقية “أمل”.
في كواليس هذا الإنتاج الذي كتب له السيناريو والحوار علاء حمزة وأخرجه سردال جينغ بإشراف سارة دبوس، تبدو تصريحات النجوم أقرب إلى محاولة لفهم موقعهم ضمن هذه التجربة الهجينة. عبد المحسن النمر يرى في العمل مختبراً يفرز طاقات جديدة، مشيراً بذكاء إلى أن الوقوف أمام الكاميرا يتطلب قدرة على التقمص وتجاوز رهبة العدسة، وهو ما رآه يتحقق حتى عند الإعلاميين الذين يخوضون تجربة التمثيل لأول مرة. إلهام علي، من جهتها، تبدو مفتونة بهذه الكيمياء التي تذيب خبرات متفاوتة وثقافات متنوعة تحت مظلة سعودية خالصة، آملة أن يتلمس المشاهد هذا الجهد.
التجربة بحد ذاتها تطلبت تفرغاً قاسياً من طاقم يضم أسماء مثل فيصل الدوخي، لبنى عبد العزيز، إبراهيم الحربي، هند محمد، ومروى محمد، إلى جانب ظهور خاص لمهيرة عبد العزيز وأروى وغيرهم. الدوخي لم يخفِ جرعة القلق الممزوجة بالحماس لخوض غمار هذه التجربة الممتدة التي انطلقت عروضها في 27 أكتوبر على شاشات MBC ومنصة شاهد، بينما اعتبرت مهيرة أن إقامتها في الرياض لخمسة أشهر كاملة لإنجاز هذا الماراثون الدرامي كانت فريدة من نوعها.
الفكرة التي تدور في فلكها لبنى عبد العزيز ومروى محمد هي تقديم “وجبة دسمة”؛ استيراد الهيكل الدرامي التركي الجاهز وإعادة حشوه بنكهة مجتمعية ومقاربات محلية تناسب البيت السعودي. هذا التباين بين صانع يبحث عن اعتراف نقدي في صالات كان بفيلم مستقل، وبين من يطوع القصص العالمية ليصنع ترفيهاً يستقطب ملايين العيون يومياً، لا يعكس تناقضاً بقدر ما يجسد تركيبة المشهد السمعي البصري الحالي. الشاشات تتعدد، واللغات البصرية تتبدل، تاركةً المتلقي أمام مساحات شاسعة للتأويل والاختيار دون الحاجة للوصول إلى يقين واحد.